ابن كثير

158

البداية والنهاية

الدنيا امرأة إلا خديجة فيقول : " إنها كانت وكانت ، وكان لي منها ولد " ثم قال البخاري : حدثنا إسماعيل بن خليل ، أخبرنا علي بن مسهر ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه عن عائشة قالت : استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف استئذان خديجة فارتاع فقال : " اللهم هالة " . [ قالت ] فغرت فقلت : ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر [ قد ] ( 1 ) أبدلك الله خيرا منها . وهكذا رواه مسلم عن سويد بن سعيد عن علي بن مسهر به . وهذا ظاهر في التقرير على أن عائشة خير من خديجة إما فضلا وإما عشرة . إذا لم ينكر عليها ولا رد عليها ذلك كما هو ظاهر سياق البخاري رحمه الله ولكن قال الإمام أحمد حدثنا مؤمل أبو عبد الرحمن ، حدثنا حماد بن سلمة عن عبد الملك - هو ابن عمير - عن موسى بن طلحة عن عائشة قالت : ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خديجة فأطنب في الثناء عليها ، فأدركني ما يدرك النساء من الغيرة ، فقلت لقد أعقبك الله يا رسول الله من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين . قال فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم تغيرا لم أره تغير عند شئ قط إلا عند نزول الوحي أو عند المخيلة حتى يعلم رحمة أو عذابا . وكذا رواه عن بهز بن أسد وعثمان بن مسلم كلاهما عن حماد بن سلمة عن عبد الملك بن عمير به . وزاد بعد قوله حمراء الشدقين ، هلكت في الدهر الأول . قال : قال فتمعر وجهه تمعرا ما كنت أراه إلا عند نزول الوحي أو عند المخيلة حتى ينظر رحمة أو عذابا . تفرد به أحمد . وهذا إسناد جيد . وقال الإمام أحمد أيضا عن ابن إسحاق أخبرنا مجالد عن الشعبي عن مسروق عن عائشة . قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر خديجة أثنى عليها بأحسن الثناء . قالت فغرت يوما فقلت : ما أكثر ما تذكرها حمراء الشدقين قد أبدلك الله خيرا منها . قال : " ما أبدلني الله خيرا منها ، وقد آمنت بي إذ كفر بي الناس ، وصدقتني إذ كذبنني ، وآستني بمالها إذ حرمني الناس ، ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء " تفرد به أحمد أيضا . وإسناده لا بأس به ومجالد روى له مسلم متابعة وفيه كلام مشهور والله أعلم . ولعل هذا أعني قوله : ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النساء . كان قبل أن يولد إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم من مارية ، وقبل مقدمها بالكلية وهذا معين . فإن جميع أولاد النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم وكما سيأتي من خديجة إلا إبراهيم فمن مارية القبطية المصرية رضي الله عنها . وقد استدل بهذا الحديث جماعة من أهل العلم على تفضيل خديجة على عائشة رضي الله عنها وأرضاها ، وتكلم آخرون في إسناده وتأوله آخرون على أنها كانت خيرا عشرة وهو محتمل أو ظاهر . وسببه أن عائشة تمت بشبابها وحسنها وجميل عشرتها ، وليس مرادها بقولها قد أبدلك الله خيرا منها أنها تزكي نفسها وتفضلها على خديجة ، فإن هذا أمر مرجعه إلى الله عز وجل كما قال ( فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى ) [ النجم : 32 ] وقال تعالى : ( ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ) [ النساء : 49 ] الآية وهذه مسألة وقع النزاع فيها بين

--> ( 1 ) ما بين معكوفين سقطت من الأصل ، على عادة ابن كثير في نقله ، واستدركت من البخاري .